ابن كثير
184
البداية والنهاية
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة فيها وثبت طائفة من الحوفية ( 1 ) من قيس وقضاعة على عامل مصر إسحاق بن سليمان فقاتلوه وجرت فتنة عظيمة فبعث الرشيد هرثمة بن أعين نائب فلسطين في خلق من الأمراء مددا لإسحاق ، فقاتلوهم حتى أذعنوا بالطاعة وأدوا ما عليهم من الخراج والوظائف ، واستمر هرثمة نائبا على مصر نحوا من شهر عوضا عن إسحاق بن سليمان ، ثم عزله الرشيد عنها وولى عليها عبد الملك بن صالح . وفيها وثبت طائفة من أهل إفريقية فقتلوا الفضل بن روح بن حاتم وأخرجوا من كان بها من آل المهلب ، فبعث إليهم الرشيد هرثمة فرجعوا إلى الطاعة على يديه . وفيها فوض الرشيد أمور الخلافة كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك . وفيها خرج الوليد بن طريف بالجزيرة وحكم بها وقتل خلقا من أهلها ، ثم مضى منها إلى أرمينية فكان من أمره ما سنذكره . وفيها سار الفضل بن يحيى إلى خراسان فأحسن السيرة فيها وبنى فيها الربط والمساجد ، وغزا ما وراء النهر ، واتخذ بها جندا من العجم سماهم العباسية ، وجعل ولاءهم له ، وكانوا نحوا من خمسمائة ألف ، وبعث منهم نحوا من عشرين ألفا إلى بغداد ، فكانوا يعرفون بها بالكرمينية ( 2 ) ، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة : ما الفضل إلا شهاب لا أفول له * عند الحروب إذا ما تأفل الشهب حمام على ملك غر سهمهم * من الوراثة في أيديهم سبب أمست يد لبني ساقي الحجيج بها * كتائب ما لها في غيرهم أرب كتائب لبني العباس قد عرفت * ما ألف الفضل منها العجم والعرب أثبت خمس مئين في عدادهم * من الألوف التي أحصت لها الكتب يقارعون عن القوم الذين هم * أولى بأحمد في الفرقان إن نسبوا إن الجواد ابن يحيى الفضل لأورق * يبقى على جود كفيه ولا ذهب ما مر يوم له مذ شد مئزره * إلا تمول أقوام بما يهب كم غاية في الندى والبأس أحرزها * للطالبين مداها دونها تعب يعطي النهي ( 3 ) حين لا يعطي الجواد ولا * ينبو إذا سلت الهندية القضب ولا الرضى والرضى لله غايته * إلى سوى الحق يدعوه ولا الغضب قد فاض عرفك حتى ما يعادله * غيث ولا بحر له حدب وكان قد أنشده قبل خروجه إلى خراسان :
--> ( 1 ) وكان سبب ذلك أن إسحاق زاد على المزارعين في الخراج - ما كان يقبله غيره من الأمراء - زيادة أجحفت بهم فخرج عليه أهل الحوف مطالبين برد الخراج إلى سابق عهده . ( 2 ) في الطبري 10 / 63 : الكرنبية . ( 3 ) في الطبري : اللهى .